شركات ناشئة

من نجارة المراهقة إلى تأسيس شركة ذكاء اصطناعي لقطاع الإنشاءات

تستعرض المادة مسار سارة بوخنر من العمل في الإنشاءات إلى تأسيس Trunk Tools، التي تطور وكلاء ذكاء اصطناعي لتحليل ملايين الصفحات والوثائق المرتبطة بمشروعات البناء. كما تتناول كيفية استفادة الشركة من خبرة مؤسستها الميدانية، ونموها إلى أكثر من 100 موظف وجمعها نحو 70 مليون دولار.

13 أغسطس 2026
5 دقائق قراءة
من نجارة المراهقة إلى تأسيس شركة ذكاء اصطناعي لقطاع الإنشاءات

تقدم سارة بوخنر نموذجاً غير تقليدي لمؤسسة شركة تقنية ناشئة؛ فقد بدأت العمل نجارةً في سن المراهقة، ثم أصبحت مقاولاً عاماً يدير مشروعات إنشاءات كبيرة في أوروبا، قبل أن تؤسس شركة Trunk Tools لتطوير حلول ذكاء اصطناعي موجهة إلى قطاع البناء. وتوضح تجربتها كيف يمكن للخبرة العملية الطويلة في مجال تقليدي أن تتحول إلى أساس لبناء شركة برمجيات مدعومة برأس المال الاستثماري.

نشأت بوخنر في أسرة منخفضة الدخل في النمسا، وكان والدها نجاراً يصطحب أبناءه إلى مواقع العمل عندما تحتاج الأسرة إلى دخل إضافي. وبدأت العمل في مواقع الإنشاءات وهي مراهقة، ثم واصلت مسارها في القطاع حتى أصبحت مقاولاً عاماً ومسؤولة عن إدارة مشروعات كبيرة في أوروبا.

لكن حادثة وفاة أحد العمال في موقع كانت تديره غيّرت نظرتها إلى عملها. وبعد تلك التجربة، قررت تطوير تطبيق للصحة والسلامة مخصص لعمال الإنشاءات. وكان ذلك المشروع منفصلاً عن Trunk Tools وسبق تأسيسها، لكنه دفعها إلى الاقتراب من البرمجيات، ثم إلى دراسة الدكتوراه في علوم البيانات الخاصة بالإنشاءات والذكاء الاصطناعي في مراحله المبكرة.

مشكلة البيانات غير المنظمة

خلال أبحاثها، خلصت بوخنر إلى أن شركات الإنشاءات تنتج كميات ضخمة من المعلومات، لكن هذه البيانات تكون موزعة على أنظمة مختلفة ومدفونة داخل وثائق يصعب تحليلها. ووفق تقديرها، قد يتضمن موقع إنشاءات متوسط ما بين 3 ملايين و4 ملايين صفحة من الوثائق.

رأت بوخنر أن أدوات تحليل البيانات التقليدية لا تكفي للتعامل مع هذا الحجم من المعلومات، بسبب فوضويتها وافتقارها إلى التنظيم. لذلك تبني Trunk Tools طبقة تتكامل مع الأنظمة القائمة لدى شركات الإنشاءات، ثم تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات وتنفيذ مهام مرتبطة بسير العمل.

تبيع الشركة خدماتها أساساً إلى المقاولين العامين والمقاولين من الباطن، وبدأت أيضاً العمل مع بعض ملاك المشروعات. وتشمل قدرات وكلائها مراجعة العقود ورسومات الإنشاءات، ورصد التناقضات، والمساعدة في المواصفات وطلبات التقديم وعمليات تقديم العطاءات، إضافة إلى تمرير المعلومات بين مسارات العمل المختلفة.

ربط المعلومات بين مراحل المشروع

تقول بوخنر إن أحد عناصر قيمة النظام يتمثل في قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على تبادل المعلومات. فقد يكتشف أحد الوكلاء مشكلة في رسم هندسي، ثم ينقلها إلى وكيل آخر لتحديد الخطوات التالية وتقدير تأثير التغيير في أجزاء أخرى من المشروع.

وترى بوخنر أن هذه القدرة مهمة لأن مشروعات الإنشاءات شديدة التعقيد والترابط، بحيث يصعب على الإنسان حساب الآثار من الدرجة الثانية والثالثة لأي تغيير. وفي إحدى الحالات التي ذكرتها، طلب مالك مشروع تعديلاً كان يمكن لشركة الإنشاءات أن تبدأ بتنفيذه مباشرة، لكن Trunk Tools حسبت أن التغيير سيضيف قرابة 4 ملايين دولار إلى مشروع تبلغ قيمته نحو 100 مليون دولار. وبعد عرض التكلفة على المالك، قرر عدم المضي في التعديل.

وفي مثال آخر، تعرض عامل لمادة كيميائية في عينه، فاستخدم شخص قريب منه أحد وكلاء Trunk Tools للسؤال عن الإجراء المناسب. وأعاد النظام تعليمات خطوة بخطوة للاستجابة للتعرض، وهي حالة وصفتها بوخنر بأنها ذات أهمية خاصة لأن مثل هذه المواقف تتطلب سرعة التصرف.

من فكرة أولى إلى نمو سريع

انتقلت بوخنر إلى كاليفورنيا في عام 2019 للالتحاق بكلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، وأسست Trunk Tools في عام 2021 أثناء دراستها، قبل تخرجها في عام 2022. وتقول إن الشركة لم تصل إلى منتج وسوق ذي جدوى واضحة إلا في عام 2023، حين جعل التقدم في نماذج اللغة الكبيرة التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات غير المنظمة أكثر عملية.

يقع مقر Trunk Tools في نيويورك، ويعمل لديها الآن أكثر من 100 موظف. وكانت الشركة تقدم وكيلين للذكاء الاصطناعي قبل نحو عام، ثم ارتفع العدد إلى أكثر من 10 وكلاء. ووفق بوخنر، أصبح تطوير المنتجات سريعاً إلى درجة أن الشركة تواجه أحياناً صعوبة في تدريب فريقي المبيعات ونجاح العملاء على المنتجات الجديدة بالسرعة نفسها التي تُطلق بها.

جمعت الشركة نحو 70 مليون دولار من مستثمرين من بينهم Insight Partners وRedpoint وInnovation Endeavors. ونما إيرادها أربعة أمثال خلال العام الماضي، فيما تتوقع بوخنر نمواً يقارب 3.5 مرة خلال العام الحالي. وكانت أحدث جولة تمويل لها جولة Series B بقيمة 40 مليون دولار في عام 2025، وقدّرت قيمة Trunk Tools خلالها بـ325 مليون دولار.

ميزة الخبرة الميدانية في سوق متحفظ

تقول بوخنر إن جمع التمويل كان أصعب في البداية لأنها لم تبدُ للمستثمرين كالمؤسس التقليدي لشركة تقنية. لكنها ترى أن خلفيتها أصبحت لاحقاً ميزة بعد اكتساب الشركة زخماً، إذ أمكنها الإجابة عن الأسئلة التفصيلية المتعلقة بالإنشاءات خلال اجتماعات المستثمرين، مستفيدة من سنوات عملها في المجال نفسه الذي يعمل فيه العملاء.

ويُعرف قطاع الإنشاءات تاريخياً بأنه أبطأ من قطاعات مثل التمويل والخدمات القانونية في تبني البرمجيات والتقنيات الجديدة. وتربط بوخنر ذلك جزئياً بوجود فجوة بين الشخص الذي يشتري المنتج والشخص المتوقع أن يستخدمه؛ فقد يتخذ المسؤولون التنفيذيون قرار الشراء من المكاتب، بينما يعمل المستخدمون الفعليون في مواقع البناء وتحت ضغط مستمر للحفاظ على سير المشروعات. كما تعمل شركات المقاولات عادةً بهوامش ربح محدودة، ما يزيد تكلفة القرارات التقنية غير المناسبة.

مع ذلك، ترى بوخنر أن الذكاء الاصطناعي يُعتمد في الإنشاءات بوتيرة أسرع من تقنيات أخرى شهدت دخول القطاع. وتعلمت Trunk Tools أن بيع البرمجيات وحده لا يكفي دائماً، ولذلك توفر الشركة أيضاً خدمات التدريب وإدارة التغيير للعملاء الذين يحاولون تطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع داخل مؤسساتهم.

بالنسبة إلى بوخنر، لا يتمثل الهدف في الالتزام بنموذج شركة البرمجيات التقليدية، بل في حل المشكلات الفعلية التي تواجهها شركات الإنشاءات. وبعد أن توقعت لسنوات أنها ستؤسس شركة مقاولات خاصة بها، انتهى بها المسار إلى بناء شركة برمجيات تخدم الصناعة التي أمضت معظم حياتها المهنية فيها.

من نفس التصنيف

مقالات قد تهمك

عرض جميع المقالات