شركات ناشئة

كيف تحولت كينغز كروس من حي سيئ السمعة إلى مركز للذكاء الاصطناعي في بريطانيا

أصبحت منطقة كينغز كروس في لندن نقطة تجمع لشركات الذكاء الاصطناعي والمواهب والاستثمارات، بعد أن جذبت إليها DeepMind وشركات ناشئة ومختبرات عالمية. لكن صعود المنطقة يرافقه نقص حاد في المساحات المكتبية ومنافسة على المواهب، إلى جانب سؤال أوسع حول قدرة بريطانيا على بناء بنية تحتية مستقلة للذكاء الاصطناعي.

09 أغسطس 2026
6 دقائق قراءة
كيف تحولت كينغز كروس من حي سيئ السمعة إلى مركز للذكاء الاصطناعي في بريطانيا

تحولت كينغز كروس في لندن خلال نحو عقد إلى واحدة من أبرز مناطق الذكاء الاصطناعي في العالم، بعدما كانت قبل أكثر من 20 عاماً من أكثر أحياء العاصمة سوءاً للسمعة. وتتنافس الشركات الناشئة البريطانية اليوم على الحصول على مكاتب في المنطقة، إلى درجة أن شركة رأس مال جريء يُقال إنها فازت بصفقة بعد أن وعدت مؤسساً بالمساعدة في تأمين مساحة مكتبية هناك، رغم أن الشركة رفضت تأكيد القصة أو نفيها.

بدأ التحول الكبير في عام 2016، عندما انتقلت DeepMind، التي كانت قد استحوذت عليها Google حديثاً، إلى المنطقة. وسرعان ما لحقت بها شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي رغبةً في الاقتراب من المواهب والخبرات التي جذبتها الشركة، فضلاً عن الاستفادة من تأثير التجمع المتنامي.

منطقة تجمع بين الشركات والمواهب

تُعرف المنطقة في لندن باسم «حي المعرفة»، وتضم أسماء مثل OpenAI وMeta وIsomorphic Labs وCusp AI وWayne وRecursive، إضافة إلى Synthesia وAnthropic على مسافة قريبة. كما انتقلت European Technology Network إلى مكتب جديد قريب، بينما تقع University College London حول الزاوية.

ولا تقتصر جاذبية كينغز كروس على الشركات التقنية. فقد رافقت التطويرات العقارية مطاعم ومقاهٍ مثل Hoppers وBAO، فيما يتيح موقع محطة القطار الوصول إلى كامبريدج خلال 45 دقيقة تقريباً لاستقطاب المواهب، وإلى باريس خلال ساعتين لعقد الصفقات. هذه الشبكة من المواصلات والمؤسسات الأكاديمية والشركات تجعل المنطقة بيئة مناسبة لشركات تريد التوسع داخل بريطانيا وخارجها.

يقارن المصدر كينغز كروس بمركزي الذكاء الاصطناعي في سان فرانسيسكو وبكين. ويستند هذا التوصيف إلى حجم النشاط المتراكم في المنطقة، وليس إلى وجود شركة واحدة مهيمنة فيها.

ارتفاع الطلب على المكاتب

تضم لندن نحو 3,600 شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد جمعت هذه الشركات مجتمعةً نحو 12.1 مليار دولار من أصل 14.8 مليار دولار جرى جمعها في المدينة منذ أواخر يوليو، وفق بيانات Dealroom. ومنذ بداية يونيو، استأجرت شركات الذكاء الاصطناعي أكثر من مليون قدم مربعة من المساحات المكتبية في لندن، بحسب شركة Knight Frank.

أدى هذا الطلب إلى ارتفاع الإيجارات الأساسية في كينغز كروس بنسبة 18% خلال السنوات الثلاث الماضية، وفق Chris Dunn، وهو موظف مختص بالرؤى التجارية في Knight Frank. ويشمل هذا الرقم أكبر عقود الإيجار، التي تغطي 10,000 قدم مربعة على الأقل، مثل العقود التي توقعها OpenAI وPrometheus. أما العقود الأصغر فتُبرم، بحسب Dunn، بأسعار أعلى، بينما هبط معدل الشواغر في المكاتب التقليدية إلى 0.9% فقط.

انتقلت شركة BioCorteX، وهي من شركات محفظة Hoxton Ventures، من هولبورن إلى مبنى Jellicoe في كينغز كروس قبل نحو 18 شهراً رغبةً في الاقتراب من هذا النشاط. وقال شريكها المؤسس Nik Sharma إن وجود شركات كبيرة في مجال الحوسبة السحابية، أو ما وصفه بانتقال عدد من «عمالقة البنية السحابية»، يزيد جاذبية لندن. ويُقال إن شركة Prometheus التابعة لـJeff Bezos، والمتخصصة في الذكاء الاصطناعي، تجري محادثات للانتقال إلى مبنى Jellicoe، لكن المصدر يورد ذلك باعتباره تقريراً غير مؤكد.

السؤال الأوروبي حول السيادة التقنية

لا يدور النقاش في كينغز كروس حول العقارات والوظائف فقط، بل حول قدرة أوروبا على امتلاك قدراتها في الذكاء الاصطناعي. وجاء إيقاف Anthropic الوصول إلى خدمتي Mythos وFable خلال الصيف بمثابة تنبيه لبعض العاملين في المنظومة، وفق Saul Klein، الشريك المؤسس لشركة Phoenix Court لرأس المال الجريء.

وقال Robin Klein، الشريك المؤسس للشركة، إن الواقعة تذكير محدود لكنه حاد بأن أوروبا لا تستطيع الاكتفاء باستئجار قدراتها وحوسبتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بل تحتاج إلى بناء جزء منها والاحتفاظ به. وأضاف أن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت بريطانيا ستبني البنية التحتية والحوسبة والطاقة ورأس المال الضرورية لجعل الاعتماد على الذات مستداماً، بدلاً من الاكتفاء باستضافة فروع لمختبرات أمريكية.

وتضم محفظة Phoenix Court ثلاث شركات بالقرب من كينغز كروس، هي Olix، التي أعلنت أخيراً عن تقييم بلغ 3.3 مليار دولار، وEarly Health وCoMind. ويعكس وجود هذه الشركات في المنطقة اعتقاداً بأن التجمع لا يوفر مكاتب فقط، بل يقرّب الشركات من المستثمرين والموظفين والشركاء المحتملين.

المواهب والقدرة على البقاء في لندن

يرى Simon Kohl، مؤسس Latent Labs، أن مكتب شركته في لندن ينمو حالياً بوتيرة أسرع من مكتبها في سان فرانسيسكو. وبالنسبة إليه، لم تعد لندن تبدو كمدينة تحاول اللحاق بالمراكز الأخرى، بل أصبحت إحدى الوجهات الافتراضية لتأسيس شركة جادة في الذكاء الاصطناعي.

وتقدم Wayve مثالاً على هذا التحول. فقد انتقلت الشركة، التي أسسها في عام 2017 شريكها المؤسس Alex Kendall، إلى كينغز كروس في 2018 بحثاً عن مساحة يمكن أن تعمل أيضاً كمرآب للسيارات، وهي تركيبة نادرة في وسط لندن. وقال Kendall إن تأسيس شركة ذكاء اصطناعي متقدمة من لندن كان قبل عشر سنوات خياراً غير معتاد، بينما يبدو اليوم خياراً بديهياً. ويرى أن الشركة الناشئة تستطيع البقاء في لندن، وجمع رأس مال كبير، وتوظيف مواهب عالمية، والمنافسة على المستوى الدولي.

وتوجد قرب مكتب Anthropic الجديد، الذي تبلغ مساحته 158,000 قدم مربعة، شركة Sierra المتخصصة في بناء وكلاء الذكاء الاصطناعي ومنصة Synthesia للفيديو المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وانتقلت Synthesia إلى مبنى جديد قبل عام لاستيعاب نمو فريقها. وقالت Laura Gonzalez Florez، كبيرة موظفي الشركة ورئيسة شؤون الأفراد فيها، إن قرب المنطقة من المطار والمستثمرين كان من أسباب اختيارها.

مع ذلك، لا تعتمد Synthesia على سوق العمل المحلي وحده؛ إذ يعمل نحو ثلثي مهندسيها عن بُعد، ما يتيح لها الوصول إلى مجموعة مواهب دولية ومتنوعة وأقل تكلفة، من سلوفينيا إلى البرتغال.

هذا النمو أدى بدوره إلى حرب على المواهب. فقد ارتفعت إعلانات وظائف الذكاء الاصطناعي في بريطانيا بشدة خلال السنوات الأخيرة، وفق بيانات PwC. وعندما أعلنت Anthropic انتقالها إلى لندن في وقت سابق من العام، عرضت راتباً بين 260,000 و630,000 جنيه إسترليني لمهندس أبحاث تعلم آلي، في حين يبلغ متوسط الراتب للوظيفة نفسها في لندن نحو 102,000 جنيه إسترليني. ويجبر ذلك بعض المؤسسين البريطانيين على جمع جولات تمويل أكبر وبوتيرة أعلى للاحتفاظ بموظفيهم.

يبقى الاختبار الحقيقي، وفق Zain Ali، مؤسس شركة Centuro القانونية للذكاء الاصطناعي ومقرها كينغز كروس، هو ما إذا كانت شركات ذكاء اصطناعي ذات أهمية عالمية ستُؤسس وتموّل وتُوسّع من بريطانيا، مع استمرار قدرتها على جذب أفضل المواهب في العالم. فإذا استمر ذلك، فقد تتحول كينغز كروس من مركز للشركات إلى أحد الأصول الاستراتيجية الأهم في بريطانيا.

من نفس التصنيف

مقالات قد تهمك

عرض جميع المقالات