أظهر باحثون من مختبر أوك ريدج الوطني وIBM وCleveland Clinic أن سير عمل يدمج الحواسيب الكمية مع الحوسبة فائقة الأداء والذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة تفاعلات كيميائية في الملح المنصهر المستخدم ضمن تصاميم مستقبلية لمفاعلات الاندماج. ونُشرت الدراسة في صورة بحث أولي على منصة arXiv في 29 يونيو، بينما نشر IBM Quantum تفاصيلها في 6 يوليو 2026.
تركز الدراسة على مشكلة أساسية في مفاعلات الاندماج: توفير التريتيوم، وهو نظير مشع ونادر من الهيدروجين تحتاج إليه تفاعلات الاندماج مع الديوتيريوم. ولا توجد للتريتيوم مصادر طبيعية مهمة على الأرض، فيما لا ينتج العالم بأسره سوى بضعة أرطال منه سنوياً. وبحسب المادة، قد يستهلك مفاعل اندماج بقدرة غيغاواط واحد نحو رطل من التريتيوم يومياً، ما يعني أن أي محطة مستقبلية ستحتاج إلى إنتاج وقودها أثناء التشغيل.
دور الملح المنصهر في مفاعل الاندماج
يقترح أحد التصاميم إحاطة البلازما الساخنة في مفاعل التوكاماك بغلاف سميك من ملح الليثيوم المنصهر. وعندما تصطدم النيوترونات الناتجة عن الاندماج بذرات الليثيوم-6، تنشطر الذرات لتنتج الهيليوم والتريتيوم. ويساعد البيريليوم على مضاعفة النيوترونات، بينما يبقى خليط الفلور والليثيوم سائلاً ومستقراً عند درجات حرارة المفاعل.
لا يقتصر دور الغلاف على إنتاج الوقود؛ إذ يُفترض أن يحمي مغناطيسات المفاعل من النيوترونات، ويبرد الجدار المواجه للبلازما، وينقل الحرارة لتشغيل توربين. لكن القصف النيوتروني يغير كيمياء الملح، كما أن طريقة ارتباط التريتيوم بمكوناته تؤثر في إمكانية استخراجه. فإذا ارتبط بالفلور، يتكون فلوريد التريتيوم، وهو مادة أكالة وصعبة الإزالة، أما إذا ظل غازاً حراً فقد يخرج من الملح تلقائياً.
لماذا تحتاج المحاكاة إلى الحوسبة الكمية؟
يستخدم الباحثون عادةً نظرية الكثافة الوظيفية لمحاكاة ترتيب الإلكترونات على الحواسيب التقليدية. وتظل هذه الطريقة سريعة ومفيدة في كثير من الحالات، لكن فريق توم بيك في مختبر أوك ريدج وجد في أعمال سابقة أنها قد تخطئ في حساب الطاقة الحرة للملح بنسبة تصل إلى 10%. ولا تكفي هذه الدقة للتنبؤ بما إذا كان التريتيوم سيتحول إلى فلوريد تريتيوم أو سيبقى غازاً.
للتعامل مع ذلك، استخدم الفريق أسلوباً يسمى التضمين المعتمد على الدالة الموجية، إذ تُجزأ المسألة إلى عناقيد أصغر. تعالج الحواسيب التقليدية الأجزاء الأبسط، بينما تستخدم الحوسبة الكمية طريقة التحليل القطري الكمي المعتمدة على العينات للعناقيد الأكثر تعقيداً من حيث التشابك بين الذرات، ثم تُجمع النتائج مجدداً على الحواسيب التقليدية.
استخرج الباحثون تسعة تكوينات من ملح FLiBe، واحتوى كل تكوين على عنقود صغير يضم 21 أيوناً. وحُسبت طاقتها مع التريتيوم ومن دونه، ثم قورنت النتائج بأساليب كلاسيكية متقدمة لحساب الأجزاء الكيميائية. وتطابقت الحسابات المعتمدة على الحوسبة الكمية مع تلك الأساليب، ما يقدم برهاناً أولياً على صلاحية النهج.
سير عمل يجمع الذكاء الاصطناعي والكمية
يريد الباحثون تطوير حلقة حسابية من ثلاث مراحل:
- تقترح وكلاء الذكاء الاصطناعي أملاحاً مرشحة وتفحصها بالاستناد إلى قاعدة بيانات في مختبر أوك ريدج تضم 70 عاماً من أبحاث الأملاح المنصهرة. وتشمل الفحوص تقدير نسبة إنتاج التريتيوم وقدرة الملح على البقاء سائلاً ونقل الحرارة.
- تحاكي الحواسيب فائقة الأداء أفضل المرشحين ذرةً بذرة باستخدام نظرية الكثافة الوظيفية، مع الاستعانة بنماذج ذكاء اصطناعي مدربة على إعادة إنتاج الفيزياء لتسريع العمليات المكلفة.
- تتولى الحوسبة الكمية الحسابات الكيميائية عالية الدقة التي تعجز نظرية الكثافة الوظيفية عن حسمها، وخصوصاً تحديد كيفية ارتباط التريتيوم بالملح.
الخطوات التالية
يقر الباحثون بأن النتيجة ما زالت محدودة. فحل مشكلة الطاقة الحرة بالكامل يتطلب دراسة غلاف ملحي متحرك يبلغ سمكه متراً ويضم عدداً هائلاً من الجسيمات، وهو نطاق يتجاوز قدرات الكيمياء الحاسوبية في المستقبل المنظور. كما يخطط الفريق لزيادة حجم العناقيد إلى ما يتجاوز 21 أيوناً، وتشغيل مئات التكوينات بدلاً من تسعة.
ويأمل باحثو مختبر أوك ريدج أن تتيح هذه الأدوات لمهندسي الاندماج تصميم الأملاح المنصهرة وتقييمها حاسوبياً قبل خلطها وتسخينها في المختبر. وقد تمتد المنهجية نفسها لاحقاً إلى مسائل كيميائية أخرى، لكن الدراسة الحالية لا تثبت بعد إمكانية استخدامها لتصميم مفاعل اندماج عملي أو إنتاج التريتيوم على نطاق صناعي.