الخصوصية وسياسات التقنية

جيل ليبور: شركات التقنية تتولى وظائف الدولة وتهدد أسس الديمقراطية

ترى المؤرخة جيل ليبور أن توسع الشركات الخاصة في أداء وظائف الدولة يخلق ما تسميه «الدولة الاصطناعية»، محذرة من أن التعامل مع الخوارزميات والشركات والآلات كبديل عن المؤسسات الديمقراطية يعيد إنتاج التسلط والغموض. وفي مقابلة مع بودكاست Equity، انتقدت ليبور قراءات قادة وادي السيليكون للخيال العلمي، معتبرة أنهم يتعاملون مع قصص التحذير كأنها أدلة إرشادية للمستقبل.

09 أغسطس 2026
5 دقائق قراءة
0 قراءة
جيل ليبور: شركات التقنية تتولى وظائف الدولة وتهدد أسس الديمقراطية

تحذر المؤرخة جيل ليبور من أن شركات التقنية بدأت تتولى وظائف كانت تؤديها الدولة الديمقراطية، في تحول تصفه بأنه صعود لـ«الدولة الاصطناعية»؛ أي نظام يحل تدريجياً محل الدولة القومية الليبرالية عبر الخوارزميات والشركات والآلات. وترى ليبور أن هذا المسار قد يمثل، بحسب تعبيرها، «عودة إلى التسلط والغموض» تحت حكم تقني لا يستند إلى موافقة المواطنين.

جاءت تصريحات ليبور في أحدث حلقات بودكاست Equity التابع لـTechCrunch، خلال حوار تناول كتابها المرتقب «صعود وسقوط الدولة الاصطناعية» (The Rise and Fall of the Artificial State). وليبور مؤرخة في جامعة هارفارد وكاتبة في The New Yorker، وقد فازت مؤخراً بجائزة بوليتزر عن تاريخ الدستور الأمريكي.

ليست معادية للتكنولوجيا

تؤكد ليبور أن انتقادها لا يطال التكنولوجيا ذاتها. فهي تقول إنها ليست «معادية للتقنية»، وإنها متحمسة للثورات الفكرية الجارية، لكن اعتراضها ينصب على الطريقة التي أخذت بها الشركات الخاصة وظائف الدولة بصورة متزايدة، من دون أن يوافق أحد صراحة على هذا التحول.

وبحسب تصورها، بدأ الأمر غالباً بمبادرات حسنة النية تهدف إلى رفع الكفاءة والسرعة وخفض التكلفة في تشغيل الحكومات. غير أن هذا التغير أصبح، خلال آخر 20 أو 25 عاماً تقريباً، أكثر تعمداً، مع تبني بعض رواد الأعمال في قطاع التقنية فكرة تجاوز عصر الدولة القومية أو التخلص منها.

وترى ليبور أن تاريخ الإنترنت كان يمكن أن يسلك مسارات مختلفة. فقد أثرت اللحظة السياسية في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب قانون الاتصالات الأمريكي لعام 1996، في الشكل الذي انتهت إليه الشبكة. وتقول إن القانون لم يكن بالضرورة نتاج نية شريرة، لكنه كان نتيجة لحظة سياسية تأثرت بعمق بنيوت غينغريتش و«العقد مع أمريكا»، قبل أن يصبح من الصعب إعادة النظر فيه.

من إعلان «1984» إلى «الدولة الاصطناعية»

تستعيد ليبور إعلان Apple الشهير الذي عُرض في يناير 1984 بمناسبة إطلاق Macintosh، واستخدم أجواء رواية جورج أورويل «1984». فقد قدم الإعلان الحواسيب المركزية الكبيرة، المرتبطة بشركة IBM، باعتبارها رمزاً للت totalitarianism، في مقابل حاسوب شخصي خفيف وسريع يُفترض أن يفتح عهداً جديداً لا تكون فيه «1984» مثل «1984».

لكنها ترى أن الحاسوب الشخصي كان أداة مفيدة وممتعة، وليس بالضرورة وسيلة لتحسين قدرة الناس على ممارسة المواطنة أو العمل داخل المجتمع المدني. ومع انتقال الزمن إلى عام 2026، تشير إلى أمثلة تعتبرها امتداداً كاريكاتورياً لذلك الإعلان: إنشاء Facebook News «محكمة عليا» في 2016 رداً على منتقديه، وتوظيف Anthropic في العام الماضي فيلسوفاً أخلاقياً لكتابة دستور، وتصريح سام ألتمان في برنامج جو روغان بأن رئيساً من الذكاء الاصطناعي قد يكون فكرة جيدة.

ولا ترى ليبور أن هذه الشركات أعلنت بالضرورة منذ البداية مشروعاً لتقويض الديمقراطية. لكنها تقول إن شركات التقنية وقادتها أخذوا تدريجياً يتبنون مظاهر الدولة ووظائف الديمقراطية، بينما تملك هذه الشركات قوة كبيرة. وتصف هذه النزعة بأنها نسخة جادة من خيال مستمد من قصص الخيال العلمي، لا فلسفة سياسية متطورة.

تويتر ليس «قاعة بلدية رقمية»

تنتقد ليبور أيضاً الوصف الذي قُدم به Twitter باعتباره «قاعة بلدية في جيبك» وأداة لإحياء الديمقراطية. وتوضح أن المنصة لم تبدأ بوعد إنقاذ البشرية، بل كانت خدمة بسيطة ومسلية. لكن السياسيين والمرشحين بدأوا استخدامها لتوسيع نفوذهم، والوصول إلى جمهور أصغر سناً، والحفاظ على اتصال دائم بالمتابعين.

وتشير إلى أن واحداً من كل خمسة أمريكيين كان يملك حساباً على Twitter في تلك الفترة، وأن معظم أصحاب الحسابات لم يكونوا يستخدمونها. كما أن أكثر من 90% من التغريدات السياسية كان ينشرها أقل من 10% من المستخدمين النشطين. لذلك، لم تكن المنصة تمثل الناخبين بقدر ما كانت تعكس أكثر الفئات السياسية نشاطاً واستقطاباً، ما جعلها، في نظر ليبور، «آلة تشويه» إذا استخدمها السياسيون لقياس اتجاهات electorate.

قراءة الخيال العلمي كتحذير لا كدليل إرشادي

تربط ليبور بين تاريخ الأفكار والتقاليد الأدبية في الخيال العلمي، حيث تتكرر قصص تتولى فيها الآلات وظائف البشر والحكومة ثم تحكم الناس أو تستعبدهم أو تدمرهم. وتستشهد بقصة «توقف الآلة» للكاتب إي. إم. فورستر، المنشورة على ما تذكر في عام 1909، والتي تصور بشراً يعيشون في حجرات منفصلة، يحصلون على احتياجاتهم عبر آلة وشاشات، ويخافون من العالم الطبيعي.

وترى أن بعض قادة وادي السيليكون، ومن بينهم إيلون ماسك، يقرأون قصص الخيال العلمي التحذيرية أو الملتبسة كما لو كانت نماذج عملية للمستقبل. وتقول إن هذا ينطبق أحياناً على قراءات ماسك وسام ألتمان، رغم أنها تشير إلى وجود تيار تكنوقراطي وليبرتاري حقيقي داخل بعض أعمال الخيال العلمي، وليس شيئاً اخترعه هؤلاء القادة من العدم.

وبحسب ليبور، فإن «الدولة الاصطناعية» محكومة بالفشل لأنها تعتمد على موارد العالم الطبيعي بينما تدمر هذا العالم في الوقت نفسه. أما ما تسميه هزيمتها، فلا تقدم له خطة تفصيلية، بل توصية سياسية أساسية: أن تُتخذ القرارات في إطار ديمقراطي وبالتشاور مع المواطنين الذين سيتأثرون بها.

وتستشهد بالاعتراضات المحلية على مراكز البيانات، حيث يطالب السكان بمعرفة استهلاك الطاقة والمياه، وتأثير المشروعات في السكن والرعاية الصحية والوظائف والبيئة. وتقول إن حالات دعم ممثلي السكان لمشروعات يعارضها ناخبوهم، مثل المثال الذي أشارت إليه في منطقة سولت ليك، تكشف فجوة بين التمثيل السياسي وقرارات البنية التحتية التقنية.

كما جددت ليبور دفاعها عن نقدها السابق لنظرية «الابتكار التخريبي» لدى كلايتون كريستنسن، معتبرة أنها نظرية تفسر فشل الشركات وليست قانوناً للطبيعة أو تفسيراً عاماً للتغير. ودعت المؤرخين إلى الدخول في حوار أكبر مع التقنيين ورواد الأعمال، لفهم كيفية نشوء القوانين والضمانات المحيطة بالتقنيات الجديدة، كما حدث مع السيارات وقوانين المرور والتأمين واختبارات القيادة.

من نفس التصنيف

مقالات قد تهمك

عرض جميع المقالات