تتجاوز روبوتات المحادثة والأفاتارات التي تحاكي أشخاصاً متوفين فكرة الاحتفاظ بالذكريات، لتطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل يجوز إعادة بناء شخصية إنسان رقمياً واستخدامها بعد وفاته من دون موافقته المسبقة؟ هذه الأنظمة، التي تعرف أيضاً باسم «روبوتات الحداد» أو «الروبوتات الميتة» أو «الحياة الرقمية بعد الموت»، تعتمد على كميات كبيرة من البيانات الشخصية لتقليد أسلوب التواصل وبعض ملامح السيرة والشخصية.
ويقدم هذا الاستخدام وعداً بتوفير مساحة للتذكر والتعبير عن المشاعر، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن استغلال بيانات المتوفى، وتأثير التفاعل مع نسخة رقمية منه في عملية الحداد، وحدود المسؤولية عندما تنتج المنصة محتوى مؤذياً أو مضللاً.
الموافقة هي نقطة الخلاف الأولى
ترى Katarzyna Nowaczyk-Basinska، الباحثة في مركز Leverhulme لمستقبل الذكاء بجامعة كامبريدج، أن الحصول على موافقة الشخص قبل وفاته يمثل أحد أهم الأسئلة الأخلاقية في هذا المجال. فوجود موافقة صريحة قد يخفف جانباً من الإشكال، بينما يظل إنشاء «توأم رقمي» لشخص متوفى من دون هذه الموافقة موضع نزاع، حتى إذا كان الدافع هو مواساة أفراد أسرته.
ولا تتعلق المشكلة بالموافقة وحدها، بل تمتد إلى تحديد البيانات التي يمكن استخدامها، وطريقة حمايتها، واحتمال إساءة توظيفها. وتحذر Nowaczyk-Basinska من أن الشركات التجارية قد تحول تمثيل المتوفين إلى قناة إعلانية جديدة، مثل عرض إعلانات مخصصة باستخدام شخصية الراحل أو أسلوبه، ما قد يحول «الخلود الرقمي» إلى منتج تجاري يفتقر إلى حدود واضحة.
كما ترى أن الأطفال الذين يتعاملون مع فقدان أحد أفراد الأسرة يمثلون فئة شديدة الحساسية، ولا ينبغي تعريضهم لهذه التقنيات قبل فهم آثارها النفسية بصورة أفضل.
الخبراء لا يقدمون حكماً واحداً
لا يوافق جميع المتخصصين على اشتراط الموافقة المسبقة في كل حالة. إذ يرى Darcy Harris، أستاذ علم الموت والاحتضار في King's University College التابع لجامعة Western في كندا، أن روبوتاً شخصياً يُنشأ لمساعدة أشخاص فقدوا عزيزاً قد لا يحتاج بالضرورة إلى موافقة المتوفى.
لكن Harris يشدد في المقابل على ضرورة وضع حدود واضحة لحماية المعلومات الشخصية، وعلى أهمية أن تبلغ الأنظمة تلقائياً عن المحادثات التي قد تكون مؤذية. ويكشف هذا الموقف عن تمييز مهم بين سؤال السماح بإنشاء الأداة وسؤال الضمانات التي يجب أن تحكم استخدامها بعد إنشائها.
أما Christopher Hall، الرئيس التنفيذي لمنظمة Grief Australia المدعومة حكومياً، فيحذر من تسويق بعض المنصات لهذه الخدمات باعتبارها فرصة «لعدم الوداع أبداً». ويشير إلى أن هذا الخطاب قد يزيد جاذبية التقنية، لكنه قد يزيد أيضاً التعلق بها أو يصعّب تقبل حقيقة الوفاة.
ما الذي يتغير عملياً؟
تظهر المخاطر بصورة أوضح عندما لا تكون رغبات المتوفى بشأن إرثه الرقمي معروفة. ويستشهد Hall بحالة Joshua Barbeau في كندا، الذي تحدث عبر منصة Project December مع روبوت صُمم وفق شخصية خطيبته الراحلة Jessica. ويرى أن المثال يوضح الوجهين المتناقضين للتقنية: فقد تمنح بعض الأشخاص مجالاً للتعبير عن الذكريات والارتباط العاطفي، لكنها قد تزيد لدى آخرين الإحساس بالفقد أو تعرقل التكيف مع الموت.
كما يمكن أن تؤدي هذه الأدوات إلى خلافات بين أفراد العائلة حول السماح بإنشائها أو طريقة استخدامها، فضلاً عن احتمال تسببها في صدمات لبعض المستخدمين. لذلك يدعو Hall إلى أن توضح الشركات أن الأداة محاكاة وليست الشخص المتوفى، وأنها ليست كياناً قانونياً، مع توفير الموافقة، وحماية الخصوصية، وحدود عمرية، وخيارات واضحة للحذف أو إيقاف الخدمة.
فجوة تنظيمية تترك القرار للشركات
يتفق الخبراء الواردون في المادة على أن القواعد الحالية لا تواكب توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي. وتقول Nowaczyk-Basinska إن العالم لا يملك بعد قواعد وطنية أو عالمية كافية لتنظيم «الخلود الرقمي»، ما يمنح المنتجين مساحة لاتخاذ قرارات تقديرية بشأن كيفية تطوير هذه الخدمات وتشغيلها.
وقد بدأت جهات تنظيمية وسياسية في الالتفات إلى الموضوع؛ إذ ذكرت Nowaczyk-Basinska أنها وزميلها Tomasz Hollanek قدما توصيات إلى سياسيين في المملكة المتحدة بشأن الروبوتات التي تحاكي المتوفين. إلا أن المادة لا تعرض إطاراً تنظيمياً نافذاً أو معياراً موحداً يمكن تطبيقه دولياً.
قراءة certi.news: لا تكمن أهمية هذه القضية في قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد أسلوب شخص متوفى فحسب، بل في نقل قرار حساس من نطاق الأسرة والذاكرة إلى منصات تجارية تدير بيانات شديدة الخصوصية. وتثبت آراء الخبراء أن نقاط الحسم العملية هي: هل ترك المتوفى توجيهاً واضحاً؟ من يملك حق اتخاذ القرار عند غيابه؟ كيف تمنع المنصة التلاعب أو الإعلانات أو المحادثات المؤذية؟ ومتى يمكن للمستخدم إيقاف التجربة أو حذفها؟ لا تقدم المادة إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، لكنها توضح أن غيابها ليس تفصيلاً تقنياً، بل فجوة حوكمة تمس الخصوصية والصحة النفسية وحقوق الأسرة.
كيف أعددنا هذا الخبر؟
اعتمد الخبر على المصدر الأصلي الموضح أعلاه. قد نستخدم أدوات آلية للمساعدة في الاستخراج والتصنيف والصياغة،
لكن النشر يخضع لقواعد تمنع المحتوى المكرر والقصير أو الروتيني منخفض القيمة.
اقرأ سياستنا التحريرية.