يتحول نقل الكهرباء عالي الجهد بالتيار المستمر (HVDC) من تقنية متخصصة تُستخدم للخطوط الطويلة جداً والروابط البحرية والمشكلات المعقدة في الشبكات، إلى خيار يدخل بصورة متزايدة في أدوات مخططي شبكات النقل. لكن هذا التقدم لا يمتد بالسرعة نفسها إلى الأنظمة التي تحيط بمعدات HVDC، إذ لا تزال قضايا التحكم والتشغيل البيني والتخطيط والتنفيذ عبر الحدود تعيق بناء شبكة أكثر تكاملاً.
خلال محادثة حديثة ضمن برنامج Redefining Energy، قال Cornelis Plet، الرئيس التنفيذي للتقنية لقطاع تكامل أنظمة الشبكات في GE Vernova، إن السوق الأوروبية تتجه إلى اعتماد وحدة متكررة بقدرة 2 غيغاواط وجهد 525 كيلوفولت من HVDC، مع ترتيبات محولات مشتركة وتصميمات ثنائية القطب. وتطور مناطق أخرى أنماطاً مختلفة؛ إذ توجد مشروعات بقدرة 3 غيغاواط في الولايات المتحدة والهند.
مكاسب توحيد معدات HVDC
تكرار هذه التكوينات على نطاق واسع يغير طريقة تطوير المشروعات. فبدلاً من التعامل مع كل رابط بوصفه تمريناً هندسياً منفصلاً، يستطيع المصنعون وموردو الكابلات ومصانع المحولات والمطورون العمل حول عائلة من المنتجات المعروفة. ويمكن لهذا النهج تقليل ساعات الهندسة المطلوبة لكل مشروع، وتسهيل توسع سلاسل الإمداد، وجعل تنفيذ الروابط الكبيرة أكثر قابلية للتكرار.
مع ذلك، فإن توحيد الصناديق والمكونات لا يعني أن الشبكة أصبحت موحدة. فمع تقاعد المولدات التقليدية وارتباط مزيد من مصادر التوليد عبر إلكترونيات القدرة، لم تعد مهمة أنظمة النقل مقتصرة على نقل كميات كبيرة من الكهرباء. وأصبحت محطات التحويل نفسها مطالبة بالمساهمة في استقرار الشبكة.
التحكم في استقرار الشبكة لم يُحسم بعد
لهذا السبب تزداد أهمية وظائف التحكم المكوّن للشبكة (grid-forming controls) ضمن متطلبات مشروعات HVDC. غير أن Plet أوضح أن القطاع لا يملك حتى الآن تعريفاً عالمياً متماسكاً لكيفية عمل هذه الوظائف. فالمتطلبات تختلف باختلاف أكواد الشبكات والمناطق، ما يدفع الموردين إلى تطوير تطبيقات مختلفة، ويجبر شركات المرافق على اختبار كيفية تفاعل هذه الأنظمة معاً.
وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع انتقال أوروبا من الروابط الثنائية بين نقطتين إلى شبكات HVDC متعددة الأطراف، ثم إلى شبكات تجمع معدات من موردين مختلفين. فالتشغيل البيني لا يقتصر على الاتفاق بشأن الجهد والطاقة؛ بل يشمل أوضاع التحكم وسلوك أنظمة الحماية والواجهات وحقوق الملكية الفكرية. وكان Plet قد قاد سابقاً برنامج PROMOTioN الأوروبي للبحث والعرض التجريبي، الذي ركز على تقنيات شبكات HVDC البحرية المتشابكة. ويتركز العمل اللاحق بدرجة أكبر على إثبات قدرة الأنظمة المطورة بصورة مستقلة على العمل معاً، من دون تحويل كل مشروع إلى عملية دمج مخصصة ومكلفة للغاية.
ما الذي يتغير عملياً؟
يكشف هذا التطور أن زيادة إنتاج المحولات والكابلات ليست وحدها كافية لتسريع توسع HVDC. فهذه الروابط تنقل كميات كبيرة من الكهرباء لمسافات طويلة، وغالباً ما تعبر مناطق شركات مرافق متعددة أو ولايات أو حدوداً وطنية وأنظمة تنظيمية مختلفة. وقد طورت أوروبا مؤسسات للتخطيط متعدد الدول، رغم قصورها، بينما لا تزال أمريكا الشمالية أضعف في التخطيط بين الأقاليم، وتوزيع التكاليف، والاتفاق على تعريف الفائدة التي تعود على النظام ككل.
وبالتالي، فإن المشروع الذي يستفيد من معدات معيارية قد يظل بطيئاً إذا لم تتوافر آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتقاسم النفقات، وتحديد مسؤوليات التشغيل بين الجهات المعنية. معيارية العتاد تقلل التعقيد الهندسي، لكنها لا تحل تلقائياً التعقيدات التنظيمية والمؤسسية.
المهارات البشرية قيد لا يقل أهمية
يشير التحليل أيضاً إلى قيد يحظى باهتمام أقل من مصانع الكابلات: نقص مهندسي الطاقة ذوي الخبرة. وقد يساعد توحيد التصميمات والذكاء الاصطناعي في أتمتة جزء من العمل، لكن الشبكة التي تعتمد بصورة متزايدة على المحولات لا تزال تحتاج إلى متخصصين يفهمون التحكم والحماية والجهد العالي وكيفية تفاعل هذه المكونات معاً.
الخلاصة أن السؤال لم يعد ما إذا كانت معدات HVDC قادرة على العمل على نطاق واسع؛ فالمعدات تعمل، والقطاع يكرر بالفعل تكوينات معيارية كبيرة. التحدي الأهم هو تشغيل عدد كبير من هذه الأنظمة معاً داخل شبكات تختلف قواعدها الفنية ومؤسسات التخطيط فيها، وهي قواعد صُممت في الأصل لمرحلة كان فيها نظام الكهرباء أكثر اعتماداً على المولدات التقليدية.