نجحت بولندا في تنفيذ الجزء الذي يطالب به أنصار الهيدروجين عادةً: خلق طلب حقيقي ومدعوم على استخدامه في النقل. وبحلول أبريل 2026، كان لدى البلاد 153 حافلة هيدروجينية مسجلة، منها 140 دخلت الخدمة، إضافة إلى 107 حافلات أخرى متعاقد عليها. لكن هذا الطلب لم يكن كافياً لإبقاء مشروع محلي كبير لإنتاج الهيدروجين الأخضر على مساره.
في يناير 2025، قررت Polenergia، وهي أكبر مجموعة طاقة خاصة في بولندا، عدم إتمام اتفاق لتوريد الهيدروجين إلى مشغل النقل البلدي في مدينة رزيسوف (Rzeszów). وكانت الشركة قد فازت في أكتوبر 2024 بمناقصة لتزويد الوقود لمدة 15 عاماً، بقيمة تقارب 120 مليون زلوتي بولندي، لخدمة 20 حافلة تعمل بخلايا الوقود.
اختبار عملي لسياسة خلق الطلب
اعتمد البرنامج البولندي على منطق صناعي واضح: دعم شراء الحافلات يؤدي إلى طلب على الهيدروجين، والطلب يبرر إنشاء محطات التزود، ثم تساعد المحطات والعملاء في تبرير إنتاج الهيدروجين محلياً. ومع توافر الإنتاج والبنية التحتية، يمكن أن تنشأ صناعة وطنية للهيدروجين منخفض الكربون.
ولم يكن مشروع Polenergia مجرد إعلان أولي أو مذكرة تفاهم بعيدة عن التنفيذ. فقد خططت الشركة في موقع Nowa Sarzyna لإنشاء منشأة هيدروجين متجدد بقدرة 5 ميغاواط، وبطاقة إنتاجية تبلغ نحو 500 طن سنوياً، إلى جانب مرافق للتوزيع والتزود بالوقود. وتعاقدت مع شركة Hystar لتوريد المحللات الكهربائية، فيما دعمت International Finance Corporation نفقات التطوير وجزءاً من شراء المعدات، كما كان التمويل العام البولندي متاحاً للبنية التحتية المرتبطة بمحطات التزود.
وبحلول أكتوبر 2024، حصل المشروع على تصريح بناء، وأكملت وحدات المحلل الكهربائي الثماني اختبارات القبول في المصنع. كما أصبح لديه عميل بلدي محدد واتفاق توريد محتمل طويل الأجل. لذلك تمثل حالته اختباراً أكثر جدية من مشروعات الهيدروجين التي تتوقف عند مرحلة الإعلان.
لماذا لم يكفِ وجود العميل؟
عزت Polenergia قرارها إلى مشكلات قانونية مرتبطة بالمناقصة، وإلى خطر عدم قدرتها على تسليم الهيدروجين في الموعد المحدد. وهذه التفاصيل مهمة، لأن الانسحاب لم يكن إعلاناً مجرداً بأن الهيدروجين مكلف للغاية أو غير قابل للاستخدام.
لكن القرار جاء أيضاً في سياق إعادة تقييم أوسع لاستراتيجية الشركة في مجال الهيدروجين. فقد نصت استراتيجيتها اللاحقة على انسحاب تدريجي من قطاع الهيدروجين المستخدم في النقل، بينما أشارت إفصاحات لاحقة إلى تحديات تطوير سوق الهيدروجين الأخضر، ومخاطر الاستثمار في المشروعات، ومحدودية فرص التمويل.
تكشف هذه الحالة أن وجود الدعم الحكومي، والتراخيص، والمعدات، وشركة طاقة مستقرة، وعميل بلدي بعقد طويل الأجل، لا يلغي مخاطر الاستثمار. فالمشروع يجب أن يظل قابلاً للتمويل والتشغيل والتسليم ضمن المواعيد، وليس فقط أن يحقق شروط الحصول على الدعم أو ينجح في التعاقد الأولي.
ما الذي يتغير عملياً للمدن؟
الحافلات لم تختفِ بانسحاب المورد المحلي المتوقع. فعندما تشتري البلديات حافلات تعمل بخلايا الوقود، فإنها تنشئ حاجة إلى الهيدروجين تمتد لسنوات، بغض النظر عن نجاح منظومة الإنتاج المحلية التي كان يفترض أن تخدمها. وقد يجعل الدعم العام شراء المركبات ممكناً، لكنه لا يضمن أن يصبح نظام الوقود الناتج عن ذلك تنافسياً أو مرناً طوال فترة التشغيل.
وهنا يظهر الفرق بين دعم أصل رأسمالي، مثل الحافلة، وضمان اقتصاديات سلسلة الإمداد كاملة. فالحافلات المدعومة قد تدخل الخدمة، بينما تظل تكلفة إنتاج الهيدروجين ونقله وتخزينه والتزود به، فضلاً عن قدرة المورد على الوفاء بالعقد، مسائل منفصلة تحتاج إلى حل.
الهيدروجين الصناعي يختلف عن هيدروجين النقل
لا تعني تجربة بولندا أن الهيدروجين منخفض الكربون بلا حاجة. فالبلاد تستهلك كميات كبيرة من الهيدروجين المنتج من مصادر أحفورية في التكرير والصناعات الكيميائية وغيرها. وتمثل هذه القطاعات أسواقاً قائمة يفرض فيها الهيدروجين نفسه كمدخل ضروري، ولذلك فإن استبدال الإنتاج مرتفع الكربون فيها يطرح هدفاً مباشراً لإزالة الانبعاثات.
أما حافلات الهيدروجين فتحتاج إلى خلق الطلب عليها من البداية، في وقت تملك فيه المدن خياراً كهربائياً مباشراً ناضجاً. ومن ثم توضح الحالة البولندية أن تحفيز شراء المركبات لا يضمن تلقائياً نشوء إمدادات محلية اقتصادية، خصوصاً عندما تتداخل مخاطر التمويل والتنفيذ والعقود مع تكاليف البنية التحتية.
تكمن أهمية تجربة رزيسوف في أنها تختبر السياسة عند مستوى التنفيذ الفعلي، لا عند مستوى الوعود. فقد توافرت عناصر عديدة يفترض أن تدعم مشروع الهيدروجين: طلب عام، وتمويل ومساندة حكوميان، ومعدات متعاقد عليها، وتصاريح، وعميل طويل الأجل. ومع ذلك، خلصت الشركة إلى تقليص تعرضها لهذا المسار. ويشير ذلك إلى أن بناء سوق الهيدروجين يتطلب أكثر من خلق الطلب؛ بل يحتاج أيضاً إلى نموذج توريد وتمويل قادر على الصمود طوال عمر الأصول.