بعد سنوات من تنافس شركات التقنية على الشاشات الأكبر، والميزات الأكثر، والتطبيقات القادرة على إبقاء المستخدم متصلاً باستمرار، بدأت تظهر رسائل تسويقية تسير في الاتجاه المعاكس: «وقت شاشة صفري»، و«بلا إشعارات»، و«وظيفة واحدة». ويرى تقرير نشرته Anadolu Agency في 3 سبتمبر 2026 أن هذه الرسائل تعكس صعود بحث استهلاكي عن تجربة رقمية أبسط وأكثر قابلية للتحكم، لا مجرد حنين إلى أجهزة قديمة.
ويستند التقرير إلى تقييمات خبراء من جامعتي برينستون وأوكسفورد، إلى جانب رأي أخصائية في علم النفس، لبحث العلاقة بين الإرهاق الرقمي وتغير استراتيجيات شركات التقنية. لكن المادة لا تقدم دليلاً على تحول شامل في السوق، بل ترصد اتجاهاً ناشئاً تظهر علاماته في المنتجات المتخصصة، وفي الطريقة التي يجري بها تقديمها للمستهلكين.
التقنية التي تتراجع إلى الخلفية
أحد الأمثلة الواردة في التقرير حملة إعلانية في نيويورك لمنتج مخصص لتشغيل الموسيقى فقط، مع تقديم غياب الشاشة باعتباره ميزة أساسية لا نقصاً في المنتج. وأعادت الحملة إلى النقاش مصطلح «التقنية البطيئة» (slow tech)، أي تصميم أدوات تؤدي دوراً محدداً ولا تنافس المستخدم على انتباهه طوال الوقت.
ويظهر الاتجاه نفسه في أجهزة تركز على وظائف محدودة مثل المكالمات والرسائل وتدوين الملاحظات والملاحة، وكذلك في أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية. القاسم المشترك بين هذه المنتجات هو تقليل التعرض لشبكات التواصل الاجتماعي، والإشعارات، وضغط البقاء متصلاً باستمرار. كما يشير التقرير، استناداً إلى بيانات شركة أبحاث الأسواق Circana، إلى عودة ظهور سماعات الأذن السلكية بعد سنوات من تراجعها أمام السماعات اللاسلكية، مع مساهمة اختيارات بعض المشاهير وعروض الأزياء في تعزيز حضورها.
من مشكلة الشاشة إلى مشكلة الانتباه
يقول D. Graham Burnett، أستاذ التاريخ وتاريخ العلوم في جامعة برينستون، إن المستخدمين أصبحوا أكثر وعياً بالأضرار المرتبطة باقتصاد الانتباه، وبحثهم عن وسائل لحماية تركيزهم. ووفق طرحه، لا تكمن المشكلة في الهاتف وحده، بل في أنظمة اجتماعية وتقنية واقتصادية تستغل الانتباه والوقت والحواس، بما في ذلك نماذج الأعمال القائمة على الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وجمع كميات كبيرة من البيانات.
أما Matthew Sharpe، الباحث في معهد الإنترنت بجامعة أوكسفورد، فيرى أن الأجهزة الأبسط تمنح المستهلك إمكانية اختيار الجزء الذي يحتاج إليه من التقنية، من دون تحمل بعض أضرارها الجانبية. لكنه لا يعتقد أن شركات التقنية ستعطي حماية انتباه المستخدم أولوية تلقائياً؛ فإبقاء المستخدم على المنصة لأطول فترة ما زال، في نظره، أكثر قيمة للشركات من تقليل حضوره عليها. ولا يتوقع تغير هذا الحافز إلا إذا غادر المستخدمون المنصات بأعداد كبيرة أو فرضت الجهات التنظيمية قواعد تلزم الشركات بحماية انتباههم.
ما الذي يتغير عملياً؟
توضح أخصائية علم نفس العمل والمنظمات Nil Madi أن الإرهاق الرقمي لا يقاس بعدد الساعات أمام الشاشة فقط، بل يرتبط بطبيعة التفاعل وكثافة المقاطعات. فالإشعارات المستمرة تقطع التركيز، وقد يستغرق استعادة الانخراط في العمل نحو 20 دقيقة بعد مقاطعة واحدة، بحسب تقييمها الوارد في التقرير. كما تربط البقاء المتواصل على الإنترنت بزيادة التوتر والقلق والإرهاق الذهني، وانعكاس ذلك على الأداء والدافعية والرفاه العام.
من هذه الزاوية، لا تبيع الأجهزة أحادية الوظيفة «مواصفات أقل» فحسب؛ بل تبيع للمستخدم درجة أعلى من التحكم في البيئة الرقمية. وتكمن قيمة هذا التحول في أنه ينقل معيار المنتج من عدد الوظائف إلى مقدار الانتباه الذي يستهلكه. غير أن هذا لا يلغي الحاجة إلى التحقق من مدى فاعلية هذه المنتجات خارج الرسالة التسويقية، ولا يثبت أن تقليل الشاشة وحده يعالج الإرهاق الرقمي.
اتجاه حقيقي أم خطاب تسويقي جديد؟
الوقائع التي يعرضها التقرير تشير إلى تغير في لغة التسويق وظهور طلب على أدوات أقل تشتيتاً، لكنها لا تكفي للقول إن اقتصاد الانتباه يتراجع. فالشركات قد تستخدم خطاب «بلا إشعارات» و«وظيفة واحدة» لاستقطاب فئة تبحث عن بدائل، مع استمرار نماذج الأعمال الأساسية القائمة على زيادة الاستخدام في بقية منتجاتها.
لذلك، فإن الأثر الأهم لهذا الاتجاه يتمثل حالياً في إعادة فتح النقاش حول ما ينبغي أن تفعله التقنية، ولمن صممت، وكيف تقيس نجاحها. وقد يصبح تقليل العبء الرقمي معياراً أكثر حضوراً في اختيار بعض المستخدمين للمنتجات، لكن السؤال المفتوح هو ما إذا كان هذا الطلب سيتحول إلى تغيير واسع في تصميم المنصات، أم سيظل سوقاً متخصصاً تستفيد منه الشركات كرسالة تسويقية إضافية.
كيف أعددنا هذا الخبر؟
اعتمد الخبر على المصدر الأصلي الموضح أعلاه. قد نستخدم أدوات آلية للمساعدة في الاستخراج والتصنيف والصياغة،
لكن النشر يخضع لقواعد تمنع المحتوى المكرر والقصير أو الروتيني منخفض القيمة.
اقرأ سياستنا التحريرية.