تستعد الصين لإطلاق مهمة «تشانغ آه-7» (Chang’e-7) إلى القطب الجنوبي للقمر، في محاولة للحصول على قياسات مباشرة بشأن وجود الماء المتجمد والمواد المتطايرة داخل الفوهات التي لا يصل إليها ضوء الشمس. ومن المقرر أن يحمل صاروخ «لونغ مارش 5» المهمة من مركز ونتشانغ لإطلاق الأقمار الصناعية في جزيرة هاينان، مع فتح نافذة الإطلاق قرابة الساعة 8:00 مساءً بالتوقيت الشرقي في 23 أغسطس، أي الساعة 0000 بالتوقيت العالمي في 24 أغسطس، وفق إشعارات إغلاق المجال الجوي.
نُقل الصاروخ إلى منصة الإطلاق في 19 أغسطس، بينما وصلت المركبة الفضائية إلى ونتشانغ جواً في أبريل، ووصل الصاروخ المخصص للمهمة، ويحمل الرمز Y14، بحراً في يوليو. وتشمل الاستعدادات النهائية فحوصاً وظيفية واختبارات مشتركة وتعبئة الوقود، بحسب بيان صادر عن مكتب هندسة الفضاء المأهول الصيني في 19 أغسطس.
مهمة متعددة المركبات إلى منطقة صعبة
ستضع «لونغ مارش 5» مكدس «تشانغ آه-7» في مسار نحو القمر، ويتكون من مركبة مدارية ومركبة هبوط ومركبة جوالة ومركبة قافزة قادرة على تنفيذ رحلات قصيرة فوق السطح. ومن المتوقع أن تدخل المركبات مداراً قمرياً أولياً بعد نحو خمسة أيام من الإطلاق، ثم تبدأ المركبة المدارية تصوير مواقع الهبوط المحتملة قرب القطب الجنوبي.
لم تحدد السلطات الصينية موعد الهبوط بعد، وقد يحدث بعد أشهر من دخول المدار. ويُرجح أن تركز عملية الاختيار على منطقة «القمة قرب شاكليتون»، المرتبطة بفوهة شاكليتون الكبيرة، مع مراعاة تضاريس السطح واستواء مناطق الهبوط وارتفاعها النسبي، بما يتيح فترات أطول من الإضاءة الشمسية، إلى جانب قربها من مناطق مظللة دائماً قد تحتوي على مواد متطايرة.
وتجعل البيئة القمرية الجنوبية الهبوط الدقيق تحدياً كبيراً؛ إذ لا ترتفع الشمس هناك أكثر من بضع درجات فوق الأفق، ويمكن حتى للمعالم التضاريسية الصغيرة أن تلقي ظلالاً تمتد عشرات الأمتار. ووفق ورقة تقنية نُشرت عام 2023، قد لا تتجاوز مناطق الهبوط المناسبة والمضيئة نحو 100 متر عرضاً، فيما تستهدف المركبة منطقة هبوط ضمن هامش خطأ يقل عن 100 متر.
حفر وتحليل عينات من الفوهات المظلمة
ستدخل المركبة القافزة إلى فوهات مظللة عبر سلسلة من الرحلات، ثم تستخدم أرجلها للتحرك بعيداً عن موقع الهبوط ومصادر التلوث المحتملة. وتحمل المركبة جهاز تحليل جزيئات الماء في التربة القمرية (LUWA)، الذي يفحص السطح باستخدام مطياف يعمل بالليزر من مسافة تتراوح بين 30 و80 سنتيمتراً، بحثاً عن الصقيع ومؤشرات على إمكانية وجود الماء.
بعد ذلك، ستستخدم حفارة لاستخراج عينة من عمق يقارب متراً واحداً، حيث يُعتقد أن «الجليد المتسخ» قد يوجد تحت السطح. وستوضع العينة، التي لا يتجاوز وزنها غراماً واحداً، في حجرة تسخين محكمة الإغلاق تُحفظ أولاً عند درجة أقل من 20 درجة مئوية تحت الصفر، ثم تُسخن إلى أكثر من 200 درجة مئوية لتحرير الماء والمواد المتطايرة. وستقيس أجهزة مطياف الكتلة والمطياف الليزري كمية الماء وبصمة نظائره الهيدروجينية، الأمر الذي قد يساعد في تحديد ما إذا كان مصدر الجليد هو الرياح الشمسية أو المذنبات أو الكويكبات.
لماذا تهم هذه المهمة؟
لا تزال القياسات السابقة للماء والمواد المتطايرة عند القطب الجنوبي للقمر قائمة أساساً على الاستشعار عن بعد، من دون قياسات أو عينات مباشرة في الموقع. لذلك قد توضح «تشانغ آه-7» ليس فقط ما إذا كان الماء موجوداً، بل أيضاً كميته وتوزيعه وسهولة الوصول إليه، وهي معلومات ترتبط مباشرة بإمكانات الاستكشاف البشري مستقبلاً.
تحمل المركبة المدارية ومركبة الهبوط والمركبة الجوالة، إلى جانب القمر الصناعي المرحّل «تشييتشياو-2» (Queqiao-2)، أجهزة تشمل مقياساً للزلازل وكاميرات للتصوير البانورامي والطبوغرافي ومقاييس مغناطيسية ومطيافات وراداراً لاختراق تربة القمر. وترى Katherine Joy، أستاذة علوم القمر والكواكب في جامعة مانشستر، أن تعدد مكونات المهمة قد يوفر عائداً علمياً كبيراً إذا نجحت في الهبوط قرب فوهة شاكليتون.
وستُقارن نتائج المهمة ببيانات بعثات أخرى متوقعة في المنطقة، منها العربة الجوالة VIPER التابعة لناسا، التي يستهدف إطلاقها الهبوط في موعد لا يسبق 2027 على متن مركبة Blue Moon التابعة لـBlue Origin، إضافة إلى جهاز الحفر PROSPECT التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، الذي لم يُحسم إسناد رحلته بعد.
تمثل «تشانغ آه-7» خطوة ضمن سلسلة صينية بدأت عام 2007، وشملت مدارات ومركبات هبوط وعربات جوالة، فضلاً عن مهمتي إعادة العينات «تشانغ آه-5» و«تشانغ آه-6» في عامي 2020 و2024. وتخطط الصين لإطلاق «تشانغ آه-8» نحو عام 2029 لاختبار استخدام الموارد القمرية في الموقع، كما تستهدف إنزال أول رواد فضاء صينيين على القمر قبل عام 2030، ضمن مسار يمهّد لمحطة الأبحاث القمرية الدولية.