يعيش قطاع الذكاء الاصطناعي المتجسد، الذي يربط نماذج التعلم الآلي بأجسام وروبوتات قادرة على الحركة، موجة استثمار قوية، لكن التطور في العتاد لم يرافقه بعد تقدم مماثل في القدرة على إنجاز أعمال ذات قيمة بصورة موثوقة. وتلخص هذه الفجوة وضع القطاع الحالي: الروبوتات أصبحت أكثر قدرة بدنياً، إلا أن امتلاكها المعرفة اللازمة للتعامل مع العالم الحقيقي ما زال تحدياً مفتوحاً.
ظهر هذا التناقض بوضوح في مؤتمر Actuate الأخير، الذي تنظمه Foxglove لمطوري النماذج والبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي المتجسد. فقد تضاعف حجم المؤتمر ثلاث مرات منذ انطلاقه في 2023، واستقطب 1,500 مشارك، في مؤشر على الاهتمام المتزايد بالمجال. وفي المقابل، ركزت شركات البنية التحتية على ما تصفه بأزمة بيانات الروبوتات، أي نقص البيانات التدريبية عالية الجودة والمتنوعة التي تحتاج إليها النماذج.
لماذا لا تكفي القدرات الجسدية؟
لا تزال محاولات بناء روبوت عام قادر على تنفيذ أي مهمة بعيدة عن النضج. وحتى عند تدريب الروبوت على مهمة محددة باستخدام التعلم من البداية إلى النهاية، لم تنتج هذه الأساليب بعد منتجات ذات أداء تجاري ثابت يمكن الاعتماد عليه. لذلك يتجه المطورون إلى محاكاة ما فعلته مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة: جمع أو إنشاء مجموعات بيانات أكثر تنوعاً، اختبار أساليب تدريب متعددة، وتصميم سيناريوهات أفضل للتعلم المعزز.
وصف Harry Mellsop، مؤسس شركة Antioch المتخصصة في أدوات المحاكاة لمطوري النماذج، الذكاء الاصطناعي المتجسد بأنه يعيش مرحلة "GPT-2"؛ أي مرحلة تسبق القفزة التي جعلت ChatGPT نموذجاً جماهيرياً. ووفق هذا التصور، يحتاج القطاع إلى مزيد من البيانات والقدرة الحاسوبية لتجاوز مرحلته الحالية، بما في ذلك وحدات معالجة رسومية محسنة لتقنيات تتبع الأشعة المستخدمة في بناء محاكاة عالية الدقة.
لكن القياس على نماذج اللغة لا يعني أن المسار سيكون متطابقاً. فالروبوت يتعامل مع عالم مادي متغير، ويحتاج إلى بيانات بصرية وبيانات LiDAR وسلوكيات متصلة بالبيئة، لا إلى نصوص فقط. كما أن الخطأ في مهمة مادية قد يؤدي إلى اصطدام أو تلف أو توقف عملية، وهو ما يجعل الانتقال من نموذج يعمل أحياناً إلى منتج تجاري موثوق أكثر تعقيداً.
السيارات ذاتية القيادة كمختبر مبكر
تبدو المركبات ذاتية القيادة من أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي المتجسد تقدماً، partly بسبب قدرتها على جمع كميات كبيرة من البيانات من السيارات التي يقودها الناس، وبسبب أن مهمتها الأساسية تتمحور حول تجنب الاصطدام بدلاً من التعامل المباشر مع الأشياء وتحريكها. وقد انتقلت أدوات كثيرة لبناء النماذج إلى قطاع الروبوتات من شركات السيارات ذاتية القيادة؛ فشركة Foxglove، مثلاً، أسسها موظفون سابقون في Cruise، مشروع القيادة الذاتية التابع سابقاً لـ General Motors.
وتحاول شركات السيارات الآن استخدام هذه الخبرة للمنافسة في الروبوتات البشرية. فشركة Tesla تطور روبوت Optimus، بينما أطلقت Wayve، المتخصصة في القيادة الذاتية، وشركة Uber مختبرات روبوتات تركز على الأجسام البشرية بوصفها جهوداً للبحث والتطوير.
يرى Alex Kendall، الرئيس التنفيذي لـ Wayve، أن البدء بالمركبات قد يكون أكثر منطقية، لأن البنية التحتية للبيانات والمحاكاة وعمليات تشغيل التعلم الآلي يمكن مشاركتها جزئياً بين التطبيقات. لكنه يؤكد أن النموذج العالمي سيحتاج إلى اختلافات مرتبطة بكل جسم وروبوت وبيئة تشغيل، وأن التطورات السريعة في المستشعرات والمكونات تجعل الالتزام المبكر بمنصة عتادية واحدة قراراً محفوفاً بالمخاطر.
التخصص مقابل الروبوت العام
لا يتفق جميع العاملين في القطاع مع فكرة فصل "العقل" عن الجسم. Théophile Gervet، الرئيس التنفيذي لشركة Genesis AI المتخصصة في الروبوتات البشرية المتكاملة رأسياً، يرى أن الموجة ما زالت في مرحلة مبكرة جداً تسمح بتصميم العتاد والذكاء الاصطناعي معاً. وكانت الشركة قد جمعت جولة تمويل أولية بقيمة 105 ملايين دولار هذا العام.
الخلاف لا يتعلق بالهندسة فقط، بل باستراتيجية بناء الأعمال. فالشركات التي تستهدف مهام محددة بدأت تنقل روبوتاتها إلى مواقع فعلية: Gritt تعمل في مزارع الطاقة الشمسية، وAgility تنشر روبوتات في بيئات صناعية، بينما تشغل Bedrock حفارات ذاتية التشغيل. في المقابل، لا تزال الروبوتات البشرية متعددة الاستخدامات إلى حد كبير داخل المختبرات.
يقول Gervet إن العميل لا يهتم بروبوت عام ينجح في تنفيذ المهمة بنسبة 80% فقط، لأن غياب التركيز القطاعي قد يعني غياب القيمة العملية. غير أن التخصص يخلق مشكلة أخرى: إذا بُني منتج رأسي فوق جيل مبكر من النماذج، فقد يتفوق عليه منافس يستخدم نموذجاً أكثر تقدماً. مع ذلك، يوفر التطبيق المتخصص إيرادات وبيانات من العالم الحقيقي، حتى لو لم تكن هذه البيانات متنوعة بما يكفي لتطوير روبوت عام.
تبدأ Bedrock بالحفر لفهم تحديات التعامل مع الأشياء في ظروف فعلية، لكنها تخطط لبناء طبقة ذكاء تمتد عبر مجموعة من آلات البناء. وهذا يوضح حلاً وسطاً محتملاً: إطلاق منتج متخصص يمكنه جمع الخبرة والبيانات، مع الاحتفاظ بهدف بناء قدرات أوسع لاحقاً.
ما الذي يتغير عملياً؟
تتجه البنية التحتية إلى معالجة مشكلة البيانات نفسها. فقد أعلنت Foxglove عن منتج جديد مبني فوق نموذج العالم المفتوح الأوزان Cosmos من Nvidia، يتيح للمهندسين البحث في بيانات الرؤية وLiDAR باستخدام استعلامات طبيعية متقدمة، بهدف إنشاء التقييمات والمحاكاة وتسريع فرز المشكلات وتصحيحها. قيمة هذه الأدوات لا تكمن في إضافة قدرة جسدية إلى الروبوت، بل في تقليل الوقت اللازم لاكتشاف سبب فشل النموذج وإعادة تدريبه.
أما السؤال الأوسع، فهو ما الذي سيشكل لحظة ChatGPT للروبوتات. يرى Kendall أن اللحظة الحقيقية يجب أن تثير اهتمام المستهلكين لا المستثمرين، ويطرح مثالاً يتمثل في قيادة ذاتية دون مراقبة للعينين وبعتاد تقل قيمته عن 1,000 دولار، وهي فرصة تقول Wayve إنها تسعى إليها عبر ترخيص نماذجها لشركات السيارات. ويرى Gervet أن العلامة الفارقة ستكون روبوتاً يفهم أوامر طبيعية وينفذ مهام التلاعب الأساسية، مثل الدفع والسحب وإغلاق حاسوب محمول أو تنظيف طاولة، بنسبة نجاح تبلغ نحو 80% أو أكثر من دون إعداد معقد.
لكن Adrian Macneil، الرئيس التنفيذي لـ Foxglove، لا يتوقع لحظة واحدة مماثلة لـ ChatGPT؛ فالانتشار في العالم المادي أصعب بكثير من توزيع برنامج عبر الإنترنت. وبدلاً من ذلك، يتوقع لحظة شبيهة بظهور Apple II أو IBM PC، عندما يصبح بالإمكان شراء روبوت منزلي ينفذ مهام مفيدة وممتعة.
القراءة الأهم من هذه المواقف أن القطاع لم يحسم بعد ما إذا كان التقدم سيأتي من نموذج عام، أم من تصميم مشترك بين العتاد والبرمجيات، أم من تطبيقات متخصصة تتوسع تدريجياً. المؤكد من المعطيات المتاحة هو أن زيادة الاستثمارات وتحسن الأجسام لا يلغيان عنق الزجاجة الأساسي: بيانات واقعية ومتنوعة، ومحاكاة دقيقة، وأداء يمكن للعملاء الاعتماد عليه خارج المختبر.
كيف أعددنا هذا الخبر؟
اعتمد الخبر على المصدر الأصلي الموضح أعلاه. قد نستخدم أدوات آلية للمساعدة في الاستخراج والتصنيف والصياغة،
لكن النشر يخضع لقواعد تمنع المحتوى المكرر والقصير أو الروتيني منخفض القيمة.
اقرأ سياستنا التحريرية.