الذكاء الاصطناعي هو مجال يستخدم الحواسيب لاكتشاف الأنماط والتنبؤ بالنتائج اعتماداً على البيانات، من اتجاهات المناخ وأنماط الشراء إلى مجموعات الصور. ويستطيع نموذج الذكاء الاصطناعي التعلم من هذه البيانات واتخاذ قرارات أو إنتاج تنبؤات من دون أن تتم برمجته صراحة لكل حالة على حدة.
لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة بعيدة عن الاستخدام اليومي؛ فهو حاضر في أنظمة التوصية التي تعتمدها خدمات مثل Amazon وNetflix، والمساعدات الرقمية مثل Siri وAlexa، إضافة إلى المكانس الروبوتية المنتشرة على نطاق واسع. لكن الطريق إلى هذه التطبيقات الحديثة بدأ قبل عقود، إذ صاغ أستاذ جامعة Dartmouth جون مكارثي (John McCarthy) مصطلح «الذكاء الاصطناعي» عام 1955، بعد أن ظلت فكرة الآلات الذكية حاضرة في الخيال البشري منذ العصور القديمة.
ما الذي سرّع تطور الذكاء الاصطناعي؟
تسارع المجال نتيجة تضافر عدة تحولات تقنية. فقد أدت البيانات الضخمة إلى توفير كميات هائلة من المعلومات، بما في ذلك المحتوى المتاح علناً على الإنترنت، لتدريب النماذج. كما أتاح التنفيذ المتوازي استخدام آلاف المعالجات في الوقت نفسه، مستفيداً من تقنيات الحوسبة الفائقة والحوسبة السحابية.
وساهمت مسرّعات العتاد في رفع سرعة أنواع محددة من العمليات، مثل ضرب المصفوفات. وقد تأتي هذه المسرّعات على شكل أجهزة مخصصة، أو شرائح سيليكون مخصصة، أو كتل من الملكية الفكرية مدمجة داخل المعالجات. كذلك استفادت تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الحوسبة منخفضة الدقة أو المختلطة، التي تمثل الأرقام بعدد أقل من البتات لتحسين السرعة من دون التضحية بالدقة وفق الاستخدام المقصود.
ارتبطت هذه التطورات أيضاً بقانون مور وبالابتكار المتواصل في المعالجات، لكنها لم تكن كافية وحدها. فقد تطورت الشبكات العصبية، وهي نماذج رياضية مستوحاة من الدماغ البشري، لتتعامل مع المدخلات عبر عقد مرتبة في طبقات مخفية ثم تنتج مخرجاً؛ فالصورة التي تحتوي على سيارة، مثلاً، يمكن أن تقود إلى نموذج يصنفها باعتبارها صورة لسيارة.
كيف يُبنى نموذج الذكاء الاصطناعي؟
تبدأ العملية بمرحلة التدريب. يمر النموذج عبر البيانات في حلقة متكررة من التقدم والرجوع، ويقارن مخرجاته بالجوانب المعروفة في مجموعة البيانات. وخلال ذلك يتعلم متغيرات داخلية تسمى المعلمات، وتُعدّل لمساعدته على إنتاج تنبؤات أكثر دقة. ويتحدد سلوك الشبكة بدرجة كبيرة من خلال أوزان الروابط بين الخلايا أو العقد العصبية.
بعد ذلك قد تأتي مرحلة الضبط الدقيق، حيث يُعدّل نموذج مدرّب مسبقاً ليستوعب معلومات جديدة أو يلائم مجموعة بيانات أو مهمة محددة بصورة أفضل. وعندما يكتمل التدريب، يدخل النموذج مرحلة الاستدلال؛ أي استخدامه مراراً مع مدخلات جديدة لإنتاج نتائج ذات صلة.
من اتخاذ القرار إلى إنتاج المحتوى
أدى التعلم العميق إلى تعزيز قدرات الشبكات العصبية عبر إضافة طبقات متعددة تساعد على رفع الدقة وتحسين كفاءة التدريب. وتُعد الشبكات العصبية والتعلم العميق أساساً لكثير من أدوات الذكاء الاصطناعي الشائعة والقوية، إلى جانب أساليب أخرى مثل الرسوم البيانية المعرفية، والتعلم المعزز، والذكاء الاصطناعي العصبي الرمزي.
أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل مرحلة تستطيع فيها الآلات إنتاج استجابات شبيهة بالأسلوب البشري ومحتوى بصري أصلي، كما في إنشاء النصوص والصور والبرمجيات. وتستند هذه القدرات إلى عدة ابتكارات، أبرزها المحولات ونماذج الانتشار والنماذج متعددة الوسائط.
المحولات هي بنية من بنيات الشبكات العصبية قدمتها Google عام 2017. وتُدرّب على كميات كبيرة من النصوص، وتعالج الجمل كاملة بالتوازي، مع التركيز على الكلمات الأكثر أهمية لفهم السياق. وقد مهدت الطريق أمام النماذج اللغوية الكبيرة، وأسهمت في تطوير الترجمة الآلية وروبوتات المحادثة وإنشاء المحتوى. ومن أمثلتها GPT، وهو اختصار لـ Generative Pre-trained Transformer، وBERT، أو Bidirectional Encoder Representations from Transformers، إضافة إلى GPT-3 وGPT-4.
في مجال إنشاء الصور، تستند نماذج الانتشار إلى مفهوم جرى تصوره في Stanford عام 2015، وهو مستوحى من عمليات الانتشار في الفيزياء. ومن أمثلتها DALL-E 2 وStable Diffusion. أما النماذج متعددة الوسائط فتتعامل مع أنواع مختلفة من البيانات، ما يعزز مرونة الذكاء الاصطناعي، ومن أمثلتها CLIP وDALL-E.
لماذا يهم هذا التطور؟
يُظهر هذا التسلسل أن الذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة، بل مجال واسع يجمع التعلم الآلي والرؤية الحاسوبية والشبكات العصبية وأساليب أخرى. وما يتغير عملياً هو انتقال النماذج من تحليل البيانات واتخاذ قرارات أو تنبؤات إلى إنتاج نصوص وصور وبرمجيات. ولا تزال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مراحلها المبكرة، لكن إمكاناتها تدفع إلى استثمارات كبيرة في القدرة الحاسوبية والبحث والتطوير، بالتوازي مع إثارة الحماس والقلق عالمياً.