لا تزال وعود الذكاء الاصطناعي بعلاج السرطان وجميع الأمراض بعيدة عن نتائج عملية حاسمة، لكن شركة التقنية الحيوية الناشئة Vivodyne ترى أن العائق الأساسي ليس نقص القدرة الحاسوبية، بل نقص البيانات المناسبة عن كيفية عمل الأنسجة البشرية. ولهذا طورت الشركة مختبرات روبوتية معيارية تطلق عليها اسم HIVE، بهدف إنتاج بيانات بيولوجية سببية يمكن استخدامها لتدريب نماذج أكثر فهماً لتعقيدات جسم الإنسان.
تستطيع مختبرات HIVE، وفقاً للشركة، تنمية 20 نوعاً من الأنسجة البشرية، ثم تعريضها تلقائياً لجرعات مختلفة ومراقبة استجابتها. الفكرة هي الانتقال من رصد حالة خلية أو بروتين في لحظة محددة إلى تتبع ما يحدث عندما يؤدي مؤثر معين إلى تغيير بيولوجي لاحق.
الفجوة بين نماذج الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا البشرية
يعتمد جزء كبير من البيانات المستخدمة حالياً في أبحاث اكتشاف الأدوية على تجارب الحيوانات أو على دراسات للخلايا المفردة والبروتينات. وترى Vivodyne أن هذه المصادر لا تقدم دائماً صورة كافية عن سلوك الأنسجة البشرية الحية، خصوصاً عندما تكون الاستجابة ناتجة عن تفاعل عدة مسارات بيولوجية.
شرح Andrei Georgescu، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس للشركة، المشكلة بالقول إن النماذج الحالية تتعلم التمييز بين «حالة خلية» وأخرى، لكنها لا تتعلم بالضرورة أن الحالة الثانية كانت نتيجة التهاب أو محفز تسبب في الانتقال من الحالة الأولى. ومن وجهة نظره، فإن غياب الاختبارات البشرية يجعل النماذج معرضة لتقديم نتائج قد تنجح في الفئران ولا تنتقل إلى البشر.
تأتي هذه الملاحظة في وقت بدأت فيه بعض التصريحات عن قدرة الذكاء الاصطناعي على علاج السرطان تبدو أكثر طموحاً من الأدلة المتاحة. فقد أشار Dario Amodei، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، إلى أن الحديث عن علاج السرطان بالذكاء الاصطناعي أصبح أقرب إلى العبارة النمطية منه إلى التوقع الموثوق، رغم أنه سبق أن تناول هذا الاحتمال في كتاباته. كما استشهد Sam Altman مراراً بعلاج السرطان مبرراً لدفع OpenAI نحو الذكاء الاصطناعي العام وزيادة الاستثمارات في الحوسبة، بينما قال Demis Hassabis من Google DeepMind العام الماضي إن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في علاج جميع الأمراض خلال عقد.
ما الذي تقوله النتائج الحالية؟
لا تزال النتائج الفعلية محدودة. فقد وصلت حفنة من الأدوية المصممة بمساعدة الذكاء الاصطناعي إلى التجارب البشرية، ووصل أحدها إلى المرحلة الثالثة، لكن ذلك لم يحل العقبات الأساسية أمام اعتماد أدوية جديدة. كما أن AlphaFold، الذي نال جائزة نوبل وأسهم في فهم البنية الأساسية للحياة، لم ينتج حتى الآن دواءً جديداً فعلياً بحسب المادة. وتتوقع Isomorphic Labs، الشركة التي تأسست للبناء على AlphaFold، بدء تجاربها الأولى بحلول نهاية عام 2026، بعد أن كانت مقررة أصلاً في 2025.
وتشير المادة إلى أن نحو 90% من الأدوية التي تنجح بما يكفي في الاختبارات الحيوانية للوصول إلى التجارب السريرية لا تحصل لاحقاً على موافقة تنظيمية للاستخدام البشري. وتقول Vivodyne إن أنسجتها حققت دقة تنبؤية بلغت 94% في اختبارات سمية خلايا الكبد مقارنة بالتجارب البشرية، وإن أنسجة مجرى الهواء طابقت سلوك الأنسجة البشرية الحقيقية في 96% من الحالات، بينما حقق نخاع العظم تطابقاً كاملاً في اختبارات شملت 20 دواءً مختلفاً للعلاج الكيميائي. هذه أرقام معلنة من الشركة، وليست بديلاً عن إثبات مستقل واسع النطاق.
ماذا تبني Vivodyne عملياً؟
انفصلت Vivodyne عن جامعة بنسلفانيا في عام 2021 بعد حصول Georgescu على درجة الدكتوراه في الهندسة الحيوية. وفي الأسبوع السابق لنشر المادة، افتتحت الشركة ما تسميه أكبر «مركز بيانات بشري» في العالم، خارج سان فرانسيسكو بقليل. وتقول إنها تحقق فيه معدل تجارب يساوي ضعفي إجمالي تجارب الحيوانات المنفذة في الولايات المتحدة، من دون الكشف عن أسماء شركائها، رغم تأكيدها التعاون مع عدة شركات دوائية كبرى.
الهدف التجاري المباشر هو مساعدة مطوري الأدوية على تقدير فرص نجاح المرشح قبل إنفاق عشرات الملايين من الدولارات على تجربة سريرية. ويقارن Georgescu ذلك باختبارات التصادم في صناعة السيارات؛ فالشركة المصنعة تعرف عادةً قبل الاختبار ما إذا كانت السيارة ستفي بمتطلبات NHTSA، بينما يدخل مطورو الأدوية التجارب السريرية بدرجة أقل من اليقين، مع احتمال مرتفع لفشل الدواء في الحصول على موافقة FDA.
جمعت Vivodyne أقل بقليل من 80 مليون دولار عبر جولتي تمويل قادتهما Khosla Ventures. ولا تكشف الشركة عن أسماء العملاء أو الشركاء، لذلك لا يمكن من المادة وحدها تقييم حجم الاستخدام التجاري الفعلي لمنصتها.
لماذا يهم هذا الطرح؟
تتمثل أهمية مشروع Vivodyne في أنه يحاول معالجة مرحلة غالباً ما تُهمَل في النقاش حول الذكاء الاصطناعي: جودة البيانات التي يتعلم منها النموذج، لا حجم النموذج فقط. وتقول الشركة إن مختبرات HIVE تتابع مئات الآلاف من التجارب الجارية التي تتعرض فيها الأنسجة المريضة لمحفزات مختلفة، ما قد يوفر بيانات تدريب على العلاقات السببية، وربما يدعم نماذج قادرة على اقتراح السبب الذي يقود إلى تأثير محدد.
قد يصبح هذا النوع من البيانات أكثر أهمية عند تطوير علاجات مركبة تستهدف مسارات متعددة، إذ يرى Georgescu أن عدد التركيبات المحتملة يتسع بسرعة ولا يمكن استكشافه بأسلوب تجريبي عشوائي. لكن المادة لا تقدم دليلاً على أن Vivodyne اقتربت من علاج السرطان، بل تعرض رهاناً تقنياً على أن تحسين البيانات البشرية قد يكون شرطاً ضرورياً لتحقيق تقدم أكثر واقعية في اكتشاف الأدوية.