يتوسع اقتصاد الفضاء الأمريكي بوتيرة أسرع من قدرة قاعدته الصناعية على مواكبة الطلب، وفق رأي مشترك كتبه Doug Anderson، الشريك في خدمات العمليات وسلاسل التوريد لدى PwC، وSteve Jordan Tomaszewski، نائب رئيس أنظمة الفضاء في Aerospace Industries Association. ويقول الكاتبان إن التحدي لم يعد مقتصراً على ابتكار تقنيات متقدمة، بل أصبح متعلقاً بقدرة الشركات على تصنيعها وتسليمها بالسرعة والحجم اللذين يتطلبهما السوق.
في عام 2025 وحده، أُطلق من الولايات المتحدة أكثر من 3,700 جسم، أي ما يقارب عشرة أضعاف المستوى المسجل في 2019. ويتزامن ذلك مع انتشار الكوكبات التجارية، وتوزيع بنى الأمن القومي على شبكات أكثر مرونة، وازدياد طموح المهمات المدنية. لكن سلسلة التوريد التي تدعم هذا النمو تشكلت في سوق مختلف، كان يعتمد على أحجام إنتاج منخفضة وطلب أكثر قابلية للتنبؤ.
اختناقات في المكونات والقدرات الإنتاجية
تاريخياً، اعتمد قطاع الفضاء على أنظمة شديدة التخصص تُنتج بكميات محدودة. أما الآن، فهو ينتقل تدريجياً إلى إنتاج أقرب إلى النطاق الصناعي. ويشير الكاتبان، استناداً إلى تقرير حديث من PwC وAerospace Industries Association بعنوان “Strengthening America’s Space Supply Chain: Built for Yesterday, Igniting Momentum for Tomorrow”، إلى أن أجزاء من المنظومة ما زالت مقيدة هيكلياً في وقت يتسارع فيه الطلب.
تظهر الاختناقات في مكونات مثل الوصلات الضوئية بين الأقمار الصناعية، وخزانات الوقود الدافع، والموصلات المقاومة للإشعاع. وفي بعض المجالات، لا يتجاوز عدد الموردين المحليين الرئيسيين ثلاثة موردين. كما ارتفع إنتاج الصناعات الجوية والفضائية 30% خلال السنوات الخمس الماضية، في حين بلغت نسبة استخدام الطاقة في الصناعة الأوسع نحو 74%. ويعتمد الموردون بدرجة أكبر على البنية القائمة بدلاً من توسيعها، ما يطيل فترات التسليم ويحد من القدرة على الاستجابة لتغيرات السوق.
ولا ينتهي الاختناق عند التصنيع. فقد تتوافر الأجهزة في موعدها، لكن نقص المنشآت المؤهلة القادرة على اعتماد الأنظمة الجاهزة للطيران قد يؤخر الإطلاقات والمهمات، ويرفع تكاليف البرامج الحكومية والتجارية. ويزداد الضغط مع تنافس قطاع الفضاء على أشباه الموصلات والإلكترونيات المتقدمة والطاقة التصنيعية مع توسع بنية الذكاء الاصطناعي وتحديث قطاع الدفاع والاستثمارات في الطاقة.
التمويل غير المستقر يضاعف هشاشة الموردين
يؤكد المقال أن الموردين يترددون في تنفيذ استثمارات طويلة الأجل بسبب صعوبة التنبؤ بمواعيد الشراء وأنماط التمويل. فقد أثرت قرارات التمويل المؤقتة على 46 من أصل آخر 49 سنة مالية اتحادية، بينما ارتفعت التزامات المنتجات الفضائية الاتحادية 56% بين السنة المالية 2020 و2021، ثم تراجعت 49% حتى السنة المالية 2024، ولم تنمُ منذ 2016 إلا بمعدل سنوي قدره 1%.
تؤثر هذه التقلبات خصوصاً في الشركات الصغيرة، التي تواجه في الوقت نفسه تكاليف الأمن السيبراني وإصدار الشهادات والامتثال المرتبطة بالبرامج الحكومية وبرامج الأمن القومي، مع وصول محدود إلى رأس المال. لذلك قد تبدو السلسلة منتجة على السطح، بينما تظل هشة من الناحية الهيكلية.
ما الذي يقترحه الكاتبان؟
يقترح Anderson وTomaszewski تحسين التنسيق بين الحكومة والشركات والموردين، عبر آلية مشتركة تربط الطلب طويل الأجل بقدرة الصناعة الواقعية. فمن المفترض أن تنتقل إشارات الطلب من العملاء الحكوميين والمقاولين الرئيسيين إلى الموردين، بينما تعود معلومات القيود المتعلقة بالعمالة والطاقة الإنتاجية والمكونات طويلة التوريد إلى صانعي القرار. ويرى الكاتبان أن Department of Commerce يمكن أن يؤدي دوراً مفيداً في تحسين فهم القدرة الصناعية والاختناقات الناشئة.
وتشمل الأولويات الأخرى تنويع شبكات الموردين، والاستثمار في مرافق الاختبار ومسارات إعداد القوى العاملة، وتحديث عمليات التأهيل واللوائح بما يسمح بتنفيذ قابل للتوسع، مع إعادة فحص متطلبات ضمان المهمة والأمن. وتستخدم الشركات الأكثر قدرة على الصمود بالفعل استراتيجية التوريد المزدوج للمكونات الأطول توريداً، عبر تطوير بدائل مؤهلة. ووفق المقال، تحصل المكونات التي تتلقى خمسة عروض أو أكثر على أسعار أقل بنحو 50% من المكونات التي لا تتلقى سوى عرضين أو أقل.
كما يحذر الكاتبان من أن التفسير المتشدد تلقائياً لقواعد مثل ITAR قد يدفع الشركات إلى الاعتماد على قطع قديمة بدلاً من توسيع قاعدة التوريد. ويذكران حوافز مثل الائتمان الضريبي للبحث والتطوير كوسيلة للمساعدة في تمويل النمذجة الأولية والتأهيل وحتى إنشاء مرافق الاختبار.
الأولوية خلال الأشهر المقبلة
يحدد المقال ثلاث أولويات للأشهر الـ12 المقبلة: تقديم إشارات طلب أكثر اتساقاً حتى يتمكن الموردون من الاستثمار بثقة، وتوسيع قدرات الاختبار والتأهيل باعتبارها أصلاً وطنياً مشتركاً لا خطوة تُعالج لكل برنامج على حدة، وتحديث عمليات الامتثال واللوائح بما يساعد على نمو القاعدة الصناعية الفضائية.
هذه الخلاصة تعكس وجهة نظر الكاتبين وليست إعلاناً حكومياً أو خطة تنفيذية معتمدة. إلا أن حجتهما العملية واضحة: التفوق الفضائي لن يتحدد فقط بمن يبتكر التقنية الأكثر تقدماً، بل أيضاً بمن يستطيع إنتاجها على نطاق واسع وبسلسلة توريد قادرة على تحمل تقلبات الطلب والتمويل.